اوفلاين
الصّورة ... قصّة قصيرة
لقد كان صباحاً حافلاً عندما امتزجت فيه مشاعر الفرح والسعادة بمشاعر الحزن والشجن ، عندما تأملت صورة جدّتي حنان المُعَلّقة على جدار غرفتي ، تلك الصّورة التي أمدتني ببحرٍ من الشّوق والذّكريات الجميلة ، تلك الصورة قد أكسبت الجدار المزيد من الدّفء والحنان ، في نهار هذا اليوم البارد ، فاليوم سينطلق العام الدّراسي الجامعي وستبدأ دراستي الجامعية ، بذلك سَأحقّقُ ذلك الوعد الذي قطعته لجدتي الغالية ، قبل انتقالها لبيتها الأبدي .
تأملت الصورة لألِجَ في أعماق تلك الذّكريات الجميلة ، ذكريات ذلك اليوم الذي كانت جدتي حنان مُتعبَة ، وتُعاني الهزال الشّديد ، وضعف في عضلات قلبها ، الذي حمل بين ثناياه الكثير من الهم والألم ، والقليل من السعادة والفرح ، فهي تُصارع المرض من أجل البقاء ، رغم يقينها بأن ساعة الحق آتية لا مَحالة .
أرسلتْ عمتي نور بطلبي على عَجَلٍ ، عندما كنتُ جالسا مع صديقي خالد في مقهى البلدة ، عدتُ مُهرولا للمنزل ، وصلتُ المكان ، حيثُ كانت عمّتي نور تجلس بالقرب من جدتي حنان ، تحاول خنق أحزانها لترفع من معنويات جدتي المرهقة ، شعرتُ حينها ببحر من الألم يعتصِرني بأمواجه المتلاطمة بين الخوف على صحة جدتي والشّجن .
تذكرتُ وأنا أتأمل الصّورة كيف أن جدتي أمسكت بيدي بأصابعها الخشنة والتي برتها أشواكُ الزّمان ، أمسكتْ بيدي وصوتها مرتجف من قهر الأيام وجور السنين ، لتقول لي : أوصيك يا حبيبي أحمد أن تكمل الوعد الذي وعدتني إياه ، عِدني أن تكمل طريقك نحو العلم ، لترضي **** عنك ، وترضي أمك وأباك الغاليَيْن اللذان احتضنهما القبر في ريعان شبابهما رحمهما **** ، عِدني يا حبيبي أن تصبح طبيبا ناجحا ، أوصيك يا بني أن لا تتخلى عن هدفك بمساعدة المرضى ورسم السعادة والفرح على وجوههم ووجوه ذويهم ، نظرت بعينيها بينما كانت يدها الدافئة والخشنة لا زالت تضغط يدي وعيناي مُغرَورقة بالدّموع ، هززتُ رأسي لها ، فالكلمات قد حُبِسَتْ بجوفي ولم أقْوَ على النُّطق بها ، نظرتُ إليها أحاولُ أن أستحضر ابتسامة الرّضا والموافقة ..
تأملتُ الصّورة مرّةً أخرى لأتذكر جدتي حنان ، عندما كانت تزور المدينة ، لِتحضرَ لي الصّحيفة التي أحِبُّها ، فأجلسُ لأقرأ عناوينها ، فتطلب مني أن أقرأ بصوتٍ عالٍ حتى تَتعرَّفَ على أخبار العالم ، وكانتْ تقولُ لي دائماً : ابحثْ بين السّطور لعلك تجد خبراً مُفرحاً في هذا الزّمن العصيب ، تأمّلتُ الصّورةَ من جديدٍ فكأنَّ صوتَ جدّتي يقولُ لي : لماذا توقفتَ عن القراءة ؟ أكمل يا حبيبي وماذا بعد؟
خرجتُ من عالم الخيال والذكريات ، إلى الواقع حيث أنني أجهز ملابسي من أجل مغادرة المنزل ، ولكن شعرتُ بأنَّ الصّورة تناديني : لما أنتَ مُتعجلٌ يا حبيبي أحمد ؟ انتظرْ هناك المزيد من الوقت ، فحفلُ التَّخرُّج بعد عِدّة ساعات ، وعُدّتُ لأتأمل الصّورة من جديدٍ ، عندما كنتُ أدرس وأنا صغير ، في هذا البيت البسيط المتواضع ، حيث كانت جدتي تجلس إلى جانبي ، كانتْ أحياناً تُعيدُ تلك العبارات ، التي كانت تسمعها مِنّي وأنا أقرأ ، رغم أنّها لم تكن تكتب أو تقرأ ، فقد كان تعليم البنات في طفولتها عيب وعار ...
بدأتُ ألبس ملابسي وأنا أنظر للمرآة ، من أجل أن أرتب شعري وربطة العنق ، ولكن أعدّتُ نظري مرة أخرى إلى الصورة المعلقة بجانب المرآة ، عندما كانت جدتي تُحَضّر لي القصص والرّوايات ، خاصة قصص الزّير سالم وحرب البسوس ، وعنترة ، كانت تطلبُ مِنّي أن أقرأ لها هذه القصص ، لِما لها مِن تأثيرٍ على قُوّةِ شخصيتي مستقبلا ، فكنتُ أعِدُها أن أقرأ لها ما تريدُ ، ولكن بعد أن أنهي دراستي ، وفِعلاً كنتُ أقرأُ لها تلك القصص والرّوايات ، بينما كانت جدتي الغالية حنان تُحضّر الشّاي الدّافئ فوق النّار الهادئة وبمذاقاتٍ مُختلفة ، فكانت جلسات لا تُنسى فيها من الحب والعطف والحنين الكثير ...
دُقَّ البابُ فجأةً ، ليقطعَ حبل أفكاري ، توجهتُ لأفتح الباب ، وإذا بصديقي خالد يقولُ لي : هيّا يا صديقي أحمد ، ستأتي الحافلةُ بعد قليلٍ ، لنتوجَّه إلى الجامعة بهمة ونشاط ، ابتعدت عن الصورة ، ووقفت أمام المرآة لأكْمِلَ هندمة نفسي ، حملت أمتعتي وودّعْتُ الصْورةَ وخرجتُ أنا وصديقي خالد ... مغادرا البيت ، وبقيتْ الصورة مكانها ، وكأنّها تنتظرُ وعدي لصاحبتها بأن أصبح طبيبا متخصصا في جراحة القلب ؛ لأعالج مَن يحتاجون لذلك ، راسماً لهم ولذويهم السّعادة والهناء .
لقد كان صباحاً حافلاً عندما امتزجت فيه مشاعر الفرح والسعادة بمشاعر الحزن والشجن ، عندما تأملت صورة جدّتي حنان المُعَلّقة على جدار غرفتي ، تلك الصّورة التي أمدتني ببحرٍ من الشّوق والذّكريات الجميلة ، تلك الصورة قد أكسبت الجدار المزيد من الدّفء والحنان ، في نهار هذا اليوم البارد ، فاليوم سينطلق العام الدّراسي الجامعي وستبدأ دراستي الجامعية ، بذلك سَأحقّقُ ذلك الوعد الذي قطعته لجدتي الغالية ، قبل انتقالها لبيتها الأبدي .
تأملت الصورة لألِجَ في أعماق تلك الذّكريات الجميلة ، ذكريات ذلك اليوم الذي كانت جدتي حنان مُتعبَة ، وتُعاني الهزال الشّديد ، وضعف في عضلات قلبها ، الذي حمل بين ثناياه الكثير من الهم والألم ، والقليل من السعادة والفرح ، فهي تُصارع المرض من أجل البقاء ، رغم يقينها بأن ساعة الحق آتية لا مَحالة .
أرسلتْ عمتي نور بطلبي على عَجَلٍ ، عندما كنتُ جالسا مع صديقي خالد في مقهى البلدة ، عدتُ مُهرولا للمنزل ، وصلتُ المكان ، حيثُ كانت عمّتي نور تجلس بالقرب من جدتي حنان ، تحاول خنق أحزانها لترفع من معنويات جدتي المرهقة ، شعرتُ حينها ببحر من الألم يعتصِرني بأمواجه المتلاطمة بين الخوف على صحة جدتي والشّجن .
تذكرتُ وأنا أتأمل الصّورة كيف أن جدتي أمسكت بيدي بأصابعها الخشنة والتي برتها أشواكُ الزّمان ، أمسكتْ بيدي وصوتها مرتجف من قهر الأيام وجور السنين ، لتقول لي : أوصيك يا حبيبي أحمد أن تكمل الوعد الذي وعدتني إياه ، عِدني أن تكمل طريقك نحو العلم ، لترضي **** عنك ، وترضي أمك وأباك الغاليَيْن اللذان احتضنهما القبر في ريعان شبابهما رحمهما **** ، عِدني يا حبيبي أن تصبح طبيبا ناجحا ، أوصيك يا بني أن لا تتخلى عن هدفك بمساعدة المرضى ورسم السعادة والفرح على وجوههم ووجوه ذويهم ، نظرت بعينيها بينما كانت يدها الدافئة والخشنة لا زالت تضغط يدي وعيناي مُغرَورقة بالدّموع ، هززتُ رأسي لها ، فالكلمات قد حُبِسَتْ بجوفي ولم أقْوَ على النُّطق بها ، نظرتُ إليها أحاولُ أن أستحضر ابتسامة الرّضا والموافقة ..
تأملتُ الصّورة مرّةً أخرى لأتذكر جدتي حنان ، عندما كانت تزور المدينة ، لِتحضرَ لي الصّحيفة التي أحِبُّها ، فأجلسُ لأقرأ عناوينها ، فتطلب مني أن أقرأ بصوتٍ عالٍ حتى تَتعرَّفَ على أخبار العالم ، وكانتْ تقولُ لي دائماً : ابحثْ بين السّطور لعلك تجد خبراً مُفرحاً في هذا الزّمن العصيب ، تأمّلتُ الصّورةَ من جديدٍ فكأنَّ صوتَ جدّتي يقولُ لي : لماذا توقفتَ عن القراءة ؟ أكمل يا حبيبي وماذا بعد؟
خرجتُ من عالم الخيال والذكريات ، إلى الواقع حيث أنني أجهز ملابسي من أجل مغادرة المنزل ، ولكن شعرتُ بأنَّ الصّورة تناديني : لما أنتَ مُتعجلٌ يا حبيبي أحمد ؟ انتظرْ هناك المزيد من الوقت ، فحفلُ التَّخرُّج بعد عِدّة ساعات ، وعُدّتُ لأتأمل الصّورة من جديدٍ ، عندما كنتُ أدرس وأنا صغير ، في هذا البيت البسيط المتواضع ، حيث كانت جدتي تجلس إلى جانبي ، كانتْ أحياناً تُعيدُ تلك العبارات ، التي كانت تسمعها مِنّي وأنا أقرأ ، رغم أنّها لم تكن تكتب أو تقرأ ، فقد كان تعليم البنات في طفولتها عيب وعار ...
بدأتُ ألبس ملابسي وأنا أنظر للمرآة ، من أجل أن أرتب شعري وربطة العنق ، ولكن أعدّتُ نظري مرة أخرى إلى الصورة المعلقة بجانب المرآة ، عندما كانت جدتي تُحَضّر لي القصص والرّوايات ، خاصة قصص الزّير سالم وحرب البسوس ، وعنترة ، كانت تطلبُ مِنّي أن أقرأ لها هذه القصص ، لِما لها مِن تأثيرٍ على قُوّةِ شخصيتي مستقبلا ، فكنتُ أعِدُها أن أقرأ لها ما تريدُ ، ولكن بعد أن أنهي دراستي ، وفِعلاً كنتُ أقرأُ لها تلك القصص والرّوايات ، بينما كانت جدتي الغالية حنان تُحضّر الشّاي الدّافئ فوق النّار الهادئة وبمذاقاتٍ مُختلفة ، فكانت جلسات لا تُنسى فيها من الحب والعطف والحنين الكثير ...
دُقَّ البابُ فجأةً ، ليقطعَ حبل أفكاري ، توجهتُ لأفتح الباب ، وإذا بصديقي خالد يقولُ لي : هيّا يا صديقي أحمد ، ستأتي الحافلةُ بعد قليلٍ ، لنتوجَّه إلى الجامعة بهمة ونشاط ، ابتعدت عن الصورة ، ووقفت أمام المرآة لأكْمِلَ هندمة نفسي ، حملت أمتعتي وودّعْتُ الصْورةَ وخرجتُ أنا وصديقي خالد ... مغادرا البيت ، وبقيتْ الصورة مكانها ، وكأنّها تنتظرُ وعدي لصاحبتها بأن أصبح طبيبا متخصصا في جراحة القلب ؛ لأعالج مَن يحتاجون لذلك ، راسماً لهم ولذويهم السّعادة والهناء .